ابن كثير

28

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 63 إلى 74 ] أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) يقول تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي تنبتونه في الأرض أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ أي بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض . قال ابن جرير « 1 » : وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي ، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقولن زرعت ولكن قل حرثت » قال أبو هريرة : ألم تسمع إلى قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ورواه البزار عن محمد بن عبد الرّحيم عن مسلم الجرمي به ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن : لا تقولوا زرعنا ولكن قولوا حدثنا وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ وأمثالها يقول : بل أنت يا رب . وقوله تعالى : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم بل ولو نشاء لجعلناه حطاما أي لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ثم فسر ذلك بقوله : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي لو جعلناه حطاما لظللتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم فتقولون تارة إنا لمغرمون أي لملقون . وقال مجاهد وعكرمة : إنا لموقع بنا . وقال قتادة : معذبون وتارة يقولون بل نحن محرومون . وقال مجاهد أيضا : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ملقون للشر أي بل نحن محارفون ، قاله قتادة ، أي لا يثبت لنا مال ولا ينتج لنا ربح ، وقال مجاهد : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي محدودون يعني لاحظ لنا ، وقال ابن عباس ومجاهد فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تعجبون . وقال مجاهد أيضا : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم ، وهذا يرجع إلى الأول ، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم ، وهذا اختيار ابن جرير « 2 » . وقال عكرمة : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تلاومون ، وقال الحسن وقتادة والسدي : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تندمون ، ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب ، قال الكسائي : تفكه من الأضداد ، تقول العرب تفكهت بمعنى تنعمت ، وتفكهت بمعنى حزنت . ثم قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعني السحاب ، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ يقول بل نحن المنزلون

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 652 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 654 .